السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
17
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
بهم وإلقاء الرّعب في قلوب مناوئيهم « عَزِيزٌ » ( 25 ) غالب لا يقاوم منبع لا يحاط به قادر على قهر أعدائه دون تكليف خلقه ، وإنما أراد أن يكون النّصر على أيدي أوليائه ليكافئهم على ذلك في الآخرة . قال تعالى « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ » فلا نبي من بعدهما إلا وهو من نسلهما وإن من تقدمهما كان من ذرية آدم « فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ » بهداية اللّه تعالى مقتف آثار أصوله الكرام « وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ » ( 26 ) خارجون عن الطّاعة ، وذلك بمقتضى ما هو مقدر في الأزل إذ جعل من ذريتهما من هو صالح لخلافته في أرضه ، ومن هو لائق لعبادته وخدمته ، ومن هو كافر مفسد لخلقه ولنفسه جاحد لربه ورسله وكتبه « ثُمَّ قَفَّيْنا » أتبعنا « عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا » واحدا تلو الآخر « وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ » الذي هو آخر أنبياء بني إسرائيل « وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ » ومشوا على دينه الحق في زمنه وإلى بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم « رَأْفَةً وَرَحْمَةً » وهاتان الخلتان من صفات أصحاب محمد الآتية في آخر سورة الفتح « وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها » من تلقاء أنفسهم ، وهذه الكلمة لم تكرر في القرآن ، وهذه الجملة غير معطوفة على ما قبلها ، كما أن جملة ( ما كَتَبْناها ) معترضة بينها وبين ما بعدها أي أن الرّهبانية جاءوا بها وألزموها أنفسهم « ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ » في الإنجيل الذي أنزلناه على رسولهم « إِلَّا » أنهم اخترعوها عفوا « ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ » عليهم ، وذلك لكمال زهدهم في الدّنيا وتشبههم برسولهم ، لأنه لم يتزوج وهو أزهد الأنبياء والرّسل عدا محمد صلوات اللّه عليهم وسلامه ، والرّاهب هو الخائف الخاشي الخاشع لربه الفار بدينه عن الافتتان مبالغة في ترك الدّنيا وإعراضهم عن شهواتها ، ولكنهم بعد أن أوجبوها على أنفسهم ومن بعدهم لم يقوموا بها كما ينبغي لها لقوله تعالى « فَما رَعَوْها » خلفهم من بعدهم « حَقَّ رِعايَتِها » كما أراد مبتدعوها لأن القصد منها التباعد عن الشّهوات والتجافي عن الملذات والعكوف على العبادات ، وهؤلاء مع الأسف صار أكثرهم على العكس ، لأنهم انهمكوا في الدّنيا وانكبوا بكليتهم عليها وتوغلوا في الملاهي والمناهي ورغبوا في